وكالة مهر للأنباء: إنّ المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، المقرر عقدها في مسقط اليوم، الجمعة 6 فبراير عام 2026، تتجاوز كونها حدثاً دبلوماسياً بحتاً، فهي تعكس واقعاً استراتيجياً؛ فشل سياسة الضغط القصوى وخيبة أمل أمريكا من تأثير التهديدات والعقوبات والحرب على إرادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
في إطار واقعي، لا ينبغي اعتبار هذه المفاوضات دليلاً على تراجع إيران، بل هي بالأحرى تجلٍّ لـاقتدار الجمهورية الإسلامية في إدارة التحديات الإقليمية والدولية المعقدة. بعد 47 عامًا، وصلت الولايات المتحدة إلى أن الإجراءات القسرية ضد إيران لن تكون فعّالة، وأنها عاجزة عن تغيير حسابات إيران، وأن الدبلوماسية هي الخيار الوحيد المتبقي.
فشل استراتيجية الضغط؛ لماذا عادت الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات؟
خلال السنوات الثلاث الماضية، اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها سلسلة من الإجراءات غير المسبوقة ضد إيران ومحور المقاومة؛ من تكثيف الضغوط الاقتصادية والمالية إلى محاولات تفعيل آلية إعادة فرض العقوبات في مجلس الأمن، كثافت اعمال الشغب ووصولًا إلى العدوان العسكري في يونيو/حزيران والتدخلات الإرهابية في يناير/كانون الثاني.
في الحقيقة أن الولايات المتحدة هي التي انسحبت من طاولة المفاوضات سابقًا وليس إيران. إن عودة واشنطن إلى الدبلوماسية الآن هي نتيجة مباشرة لخيبة أملها من فعالية التهديدات العسكرية والحرب الهجينة.
لم تُغلق الجمهورية الإسلامية الإيرانية باب الدبلوماسية. لطالما كان اللجوء إلى الحوار على رأس أولويات طهران كوسيلة لضمان مصالح وحقوق الشعب الإيراني والحفاظ على السلام والاستقرار الإقليميين. إيران جادة في الدبلوماسية، لكنها لن تسمح للطرف الآخر بالتهرب من المسؤولية.
في الوقت نفسه، يكتسب طلب دول المنطقة ببدء عملية الدبلوماسية أهمية خاصة. لطالما أكدت إيران على تعزيز التعاون بين الجيران، وبناء منطقة قوية مكتفية ذاتيًا، وهذا العنصر يُعدّ أحد الركائز الأساسية لـلحكومة الايرانية.
محادثات مسقط تركز على الملف النووي فقط
موضوع محادثات مسقط محدد ومحدود، وهو الملف النووي. إن طرح قضايا مثل القدرات الدفاعية أو القضايا الإقليمية خارج جدول الأعمال، والخوض في هذه المجالات سيضر حتماً بالعملية الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الإيراني يوم الاثنين، خلال كلمته في حفل تجديد بيعة السلك الدبلوماسي الإيراني لمبادئ الإمام الخميني (رحمه الله) بمناسبة عشرة الفجر: "لطالما كنا رجال حرب، ولطالما كنا رجال دبلوماسية. لم نتخلَّ قط عن الدبلوماسية، ولم نفوّت فرصة قط لضمان مصالح الشعب الإيراني".
ويؤكد المسؤولون في طهران على ضرورة تنفيذ الإجراءات الفنية المتعلقة بالمواد النووية في إطار قبول الحقوق القانونية لإيران فيما يخص التخصيب. وأي شروط مسبقة أو مطالب خارج هذا الإطار تُعدّ دليلاً على انعدام حسن النية وتُعرّض عملية المفاوضات للخطر.
وفيما يتعلق ببعض التكهنات حول القضايا الإقليمية التي تُثار في المحادثات بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، تُشدد طهران على أن القضايا الإقليمية تخص دول المنطقة، ويجب طرحها ومتابعتها ضمن إطار مقبول لدى دول المنطقة ودون تدخل جهات أجنبية، وأن إثارة القضايا الإقليمية بالتزامن مع القضية النووية من شأنه أن يُقوّض العملية الدبلوماسية الحالية، ويجب تجنبه.
القضايا الإقليمية خارج طاولة مسقط
القضايا الإقليمية شأنٌ يخص دول المنطقة، وينبغي معالجتها دون تدخل جهات خارجية، وضمن إطار متفق عليه بين الدول المتجاورة. إن ربط هذه القضايا بالملف النووي لن يُسهم في حلها، بل سيُضعف مسار المفاوضات الحالي.
حرب الروايات: ساحة مفاوضات موازية
يُمارس نشاط موازٍ لمحادثات مسقط، ألا وهو مجال صياغة الروايات. فالعديد من الأخبار و"الاقتباسات" المنشورة في وسائل الإعلام الغربية ما هي إلا جزء من عمليات نفسية لتشكيل الرأي العام، بدلاً من أن تعكس واقع المفاوضات.
محادثات مسقط بمثابة اختبار لقياس مدى واقعية الولايات المتحدة وقدرة الجانبين على إدارة الخلافات في إطار ميزان القوى.
على الرغم من صعوبة وتعقيد محادثات مسقط، إلا أنها تُمثل ساحة أخرى للمواجهة بين "اقتدار الجمهورية الاسلامية" وسياسات الضغط والتهديد الأمريكية الفاشلة؛ وهي مواجهة اضطرت الولايات المتحدة هذه المرة إلى خوضها عبر الدبلوماسية.
بالنسبة لإيران، تظل الدبلوماسية أداة؛ أداة يمكن أن تؤدي، إذا احترمت حقوق الأمة وتجنبت الضغط والتجاوزات، إلى خفض التوتر وتأمين المصالح الوطنية، وإلا فإنها ستكون ببساطة أحد المسارات المجربة في صراع طويل الأمد.
/انتهى/
تعليقك